Author Topic: ولادة سيدنا عيسى المسيح عليه السلام  (Read 3269 times)

alsunna

  • Guest
ولادة سيدنا عيسى المسيح عليه السلام

إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونشكره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل له ولا ضدَ ولا ندَّ له، وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وعظيمنا وقائدنا وقرّة أعيننا محمدا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه، صلى الله وسلم عليه وعلى كل رسول أرسله.

أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ القدير القائل في محكم كتابه : ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ءال عمران 45- 46 .

إخوة الإيمان، حدثناكم في الخطبة الماضية عن نبي من أنبياء الله وهو سيدنا لوط عليه السلام، ويطيب لنا اليوم أن نتكلم عن نبي كريم زاهد خلقه الله تعالى من غير أبٍ فقد جاء في القرءان العظيم: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ ءال عمران 59.

وأمه مريم التي وصفها الله تعالى في القرءان الكريم بالصدّيقة والتي نَشأت نَشْأة طُهر وعفاف وتربّت على التقوى تؤدّي الواجبات وتكثر من نوافل الطاعات والتي بشّرتها الملائكة باصطفاء الله تعالى لها من بين سائر النساء وبتطهيرها من الأدناس والرذائل.

﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾ ءال عمران 42.

وذات يوم خرجت مريم الصدِّيقة من محرابها الذي كانت تعبد الله تعالى فيه فأرسل الله إليها جبريل عليه السلام متشكِّلاً بشكل شابٍّ أبيضَ الوجه.

وللملاحظة إخوة الإيمان، الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا إنما يتشكَّلون بهيئة الذكر من دون ءالة الذكورية ولا يأكلون ولا يشربون لا يتناكحون ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون.

مريم لَمّا رأت جبريل عليه السلام متشكِّلاً في صورة شابٍّ أبيض الوجه لم تعرفه ففزعت منه واضطربت وخافت على نفسها منه وقالت ما أخبر الله به: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ سورة مريم/18. أي إن كنت تقيا مطيعًا فلا تتعرض لي بسوء.

فقال لها أن الله أرسله إليها ليهبها ولدًا صالحًا طاهرًا من الذنوب. فقالت مريم: أنى يكون لي غلام ولم يقربني زوج ولم أكن فاجرة زانية؟ فأجابها جبريل عليه السلام عن تعجّبها بأنّ خَلْقَ ولد من غير أبٍ سهلٌ هيِّنٌ على الله تعالى، وجعله علامة للناس ودليلاً على كمال قدرته سبحانه وتعالى وليجعله رحمة ونعمة لمن ابتعه وصدّقه وءامن به .

يقول رب العزّة في القرءان العظيم: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾ سورة مريم 22-23-24-25-26.

نفخ جبريل عليه السلام في جيب درعها فحملت بعيسى عليه السلام ثم تنحت بحملها بعيدًا خوف أن يعيّرها الناس بولادتها من غير زوج، ثم ألجأها وجع الولادة إلى ساق نخلة يابسة وتمنّت الموت خوفًا من أذى الناس، وناداها جبريل من عليه السلام من مكان من تحتها من أسفل الجبل يطمئنها ويخبرها أنّ الله تبارك وتعالى جعل تحتها نهرًا صغيرا ويطلب منها أن تهزّ جذع النخلة ليتساقط عليها الرطب الجنيّ الطريّ وأن تأكل وتشرب مما رزقها الله وأن تقرّ عينها وأن تقول لمن رءاها وسألها عن ولدها إني نذرت للرحمن أن لا أكلّم أحدًا.

أتت السيدة مريم عليها السلام قومها تحمل مولودها عيسى عليه السلام على يدها في بيت لحم. ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ مريم/27.

قالوا لها: لقد فعلتِ فعلة منكرة عظيمة، ظنوا بها السوء وصاروا يوبخونها ويؤذونها وهي ساكتة لا تجيب لأنها أخبرتهم أنها نذرت للرحمن صومًا، ولما ضاق بها الحال أشارت إلى عيسى عليه السلام. عندها قالوا لها ما أخبر الله به بقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً﴾ مريم/29 .

عند ذلك أنطق الله تعالى بقدرته سيّدنا عيسى وكان رضيعًا. ﴿قَالَ إِنِِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ مريم 30-31. اعتراف بالعبودية لله العزيز القهار، هذا أول ما نطق به عليه السلام وهو في المهد قال: ﴿إِنِِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ أي جعلني نفاعًا معلّمًا للخير حيثما توجهت.

إخوة الإيمان، يقول الله تعالى في القرءان العظيم: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ سورة الصف/6 .

دعا عيسى قومه إلى الإسلام إلى عبادة الله وحده وعدم الإشراك به شيئًا ولكنهم كذّبوه وحسدوه وقالوا عنه ساحر ولم يؤمن به إلا القليل .

والله نسأل الثبات على دين الأنبياء دين الإسلام العظيم .

هذا وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية: التحذير من قول بعض الناس "يا عبدي إسعَ لأسعى معك"

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى كل رسول أرسله.



أما بعد عباد الله، فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ القدير القائل في محكم كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ الشورى/11 .



فلما كانت هذه الآية هي أصرح ءاية في القرءان في تنْزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه، ولَمّا انتشر التشبيه والكلام الذي مؤدّاه تشبيه لله بخلقه والعياذ بالله كان لا بد من التذكير بها وبما احتوت عليه من المعاني العظيمة. فربنا لا يوصف بأنه جسم ولا بصفات الجسم، ربنا ليس جسمًا كثيفا كالبشر والحجر والشجر، وليس جسمًا لطيفًا كالنور والظلام والهواء، والله لا يوصف بصفات الجسم كالحركة والسكون والاتصال والانفصال "مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك" . أي لا يشبه ذلك.



فاحذروا عباد الله وحذّروا من عبارة يقولها بعض الناس وهي "إسعَ يا عبدي لأسعى معك". العبد هو الذي يسعى، نعم، أما الله تعالى لا يوصف بصفات خلقه. أما من قال هذه الكلمة ولا يفهم منها نسبة الحركة إلى الله، لا يفهم منها أنّ الله يسعى كالبشر بل يفهم منها أنت اعمل في الأسباب أساعدك في الحصول على الرزق فلا يكفر، ولكن طبعًا يُنهى عن هذه الكلمة.



إخوة الإيمان، من الناس من صار ينتظر بشوق سماع الخطبة الثانية ليحذر من مثل هذه العبارات، ومن الناس من يدوّن هذه العبارات للتحذير منها، ومن الناس من يتشهّد لأنه يعرف من نفسه أنه صدر منه ما أخرجه عن دين الله. فجزى الله عنا خيرًا من علّمنا وأرشدنا وحثّنا على وضع هذه العبارات للتحذير منها في الخطبة الثانية .



واعلَموا أنَّ اللهَ أمرَكُمْ بأمْرٍ عظيمٍ أمرَكُمْ بالصلاةِ والسلامِ على نبيِهِ الكريمِ فقالَ:﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ اللّـهُمَّ صَلِّ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا صلّيتَ على سيّدَنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى ءالِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى ءالِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾، اللّهُمَّ إنَّا دعَوْناكَ فاستجبْ لنا دعاءَنا فاغفرِ اللّهُمَّ لنا ذنوبَنا وإسرافَنا في أمرِنا اللّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهُمْ والأمواتِ ربَّنا ءاتِنا في الدنيا حسَنةً وفي الآخِرَةِ حسنةً وقِنا عذابَ النارِ اللّهُمَّ اجعلْنا هُداةً مُهتدينَ غيرَ ضالّينَ ولا مُضِلينَ اللّهُمَّ استرْ عَوراتِنا وءامِنْ روعاتِنا واكفِنا مَا أَهمَّنا وَقِنا شَرَّ ما نتخوَّفُ. عبادَ اللهِ ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، يعظُكُمْ لعلَّكُمْ تذَكَّرون. اذكُروا اللهَ العظيمَ يذكرْكُمْ واشكُروهُ يزِدْكُمْ، واستغفروه يغفِرْ لكُمْ واتّقوهُ يجعلْ لكُمْ مِنْ أمرِكُمْ مخرَجًا، وَأَقِمِ الصلاةَ.

Alsunna Teacher

  • Guest
قال الله تعالى: (ان الدين عند الله الاسلام). فكل الأنبياء كانوا على هذا الدين.. كلهم كانوا مسلمون مؤمنون بالله الواحد الأحد القهار الموجود بلا بداية ولا مكان ولا حد.

الله يحشرنا مع الأنبياء والمرسلين في جنة النعيم.