Search our site or Ask


َيجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِفاً بِالصّـِدْقِ وَالأَمَانَةِ وَالْفَطَانَةِ
.
الشَّرْحُ: أَنَّ كُلَّ نَبِىٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ صَادِقٌ لاَ يَكْذِبُ وَلَو كَذْبَةً وَاحِدَةً لاَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلاَ بَعْدَهَا. وَكُلٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللهِ أَمِينٌ لاَ يَخُونُ، لاَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلاَ بَعْدَهَا. وَكُلٌّ مِنْهُمْ ذَكِىٌّ، قَادِرٌ عَلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْكُفَّارِ، بَلْ هُمْ أَذْكَى خَلْقِ اللهِ قَاطِبَةً.
فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ وَالْخِيَانَةُ وَالرَّذَالَةُ وَالسَّفَاهَةُ وَالْبَلاَدَةُ.
الشَّرْحُ: أَنَّ النَّبِىَّ مِنْ الأَنْبِيَاءِ لاَ يَكْذِبُ أَبَداً كَمَا ذَكَرْنَا، وَلاَ يَخُونُ، لاَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلاَ بَعْدَهَا، وَلاَ يَأْتِى الأَفْعَالَ الرَّذِيلَةَ كَتَتَبُّعِ النّـِسَاءِ فِى الطُّرُقَاتِ للنظر إليهن وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَلاَ يَصْدُرُ مِنْهُ سَفَاهَةٌ، وَ هِىَ ضِدُّ الْحِكْمَةِ مِثْلُ أَنْ يَسُبَّ الشَّخْصُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فهَذَا يُقَالُ عَنْهُ سَفِيهٌ. وَيَسْتَحِيلُ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللهِ بَلاَدَةُ الذِّهْنِ أَىِ الْغَبَاءُ، كَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ أَيـَّةُ صِفَةٍ مُنَفّـِرَةٍ، إِنْ كَانَ فِى الْخِلْقَةِ-كَالأَمْرَاضِ الْمُنَفّـِرَةِ-أَو فِى الأَخْلاَقِ. وَكَذَلِكَ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمُ الْجُبْنُ، وَعَدَمُ التَّبْلِيغُ.
وتجبُ لهمُ العِصمةُ مِنَ الكفرِ والكبائرِ وصغائرِ الخسةِ قبلَ النبوةِ وبعدَها.
الشرح: أن النبىَّ من الأنبياء لا يصدر منه كفر لا قبل النبوة ولا بعدها. لذلك ما يقولُه بعض الناس عن إبراهيم عليه السلام أنه مرّت عليه مدة عبدَ فيها النجمَ ثم القمرَ ثم الشمسَ كَذِبٌ على إبراهيم. والآيةُ التى يستندون إليها ليقولوا ذلك ليس معناها كما يَزْعُمُون، إنما قولُ إبراهيم: {هذا رَبّى} هو على وجه الإنكارِ على قَومِهِ وليس موافَقَةً لهم على ذلك، أَىْ كَأَنَّهُ يَقُولُ "أَهَذَا رَبّـِى كَمَا تَزْعُمُونَ؟! هَذَا لاَ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ إَلَهاً." هذا فى لغة العرب يقال له استفهامٌ إنكارِىٌّ.
كذلك يستحيلُ على الأنبياء الكبائرُ قبل النبوة وبعدَهَا، لذلك فإِنَّ قَتْلَ موسَى لذلك الشخص الذى قَتَلَهُ ما كان ذنباً كبيراً. ذلك الشخصُ ما كان مسلماً، وموسى ما قَصَدَ قتلَهُ، إنما وَكَزَه أى ضَرَبهُ بقبضة يده وهو يظن أنَّه لا يموت من ذلك لكنه مات، فنَدِم موسى عليه السلام لأنه قاتل قبل أن يُؤْمَرَ بالقتال.
كذلك لا يجوزُ على الأنبياء صغائرُ الخِسَّة، مثلُ سَرِقَةِ لُقْمَة أو حَبَّةِ عِنَب، فهذه معصية صغيرة لكن تَدُل على خِسَّة أى دناءة فى نفس فاعلها، فالأنبياءُ معصومونَ من ذلك قبلَ النبوةِ وبعدَها. فَيُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ أن معصيةَ سيدِنا ءادم لم تكن كبيرةً من الكبائر، إنما كانت معصيةً صغيرةً ليس فيها خسةٌ ولا دناءةٌ، كما قال الإمامُ الأشعرىُّ وغيرُه.
ويجوزُ عليهِم ما سِوَى ذلك من المعاصِى. لكن يُنَبَّهُونَ فوراً للتوبَةِ قبلَ أنْ يَقْتَدِىَ بهِم فيها غيرُهُم.
الشرح: أن النبىَّ من الأنبياء إذا صدر منه معصيةٌ صغيرةٌ ليس فيها خسة يَرجِعُ عنها أى يتوبُ منها فوراً قبل أن يقتدِىَ به الناسُ فى ذلك.
فما يقولُه بعضُ الناس من أن سيدَنا يُوسفَ أراد أَن يَزْنِىَ بامرأةِ العزيز هو كلامٌ فاسدٌ، لأن هذا فعلٌ خَسِيسٌ لا يليقُ بنبِىٍّ من أنبياء الله تعالى، والآيةُ التِى يُسِىءُ بعضُ الناس تَفسيرَهَا لينسبوا إرادةَ الزنا إلى سيدنا يوسف معناها غيرُ ما يَزْعُمُون. قال الله تعالى: {ولقد هَمَّت به وهَمَّ بها لولا أن رأى برهانَ ربّـِه}فمعنى {ولقد هَمَّتْ به} أرادت الزنا، {وَهَمَّ بها لولا أن رأى برهانَ ربّـِه} أى لولا أن اللهَ تعالى عَصَمَهُ لكان هَمَّ بها، لكنَّ اللهَ عصمَه فلم يَهِمَّ أصلاً، أى لم يقع الهَمُّ أصلاً من سيدنا يوسف عليه السلام.
إذا كان الأنبياء معصومين من مجرد النظرِ بِشهْوَةٍ إلى الأجنبية فكيف إرادةُ الزنا والعزمُ عليه؟!!.
فَمِنْ هنا يُعْلَمُ أَنَّ النبوةَ لا تَصِحُ لأخوةِ يوسف الذينَ فعَلوا تلك الأفاعيلَ الخسيسةَ وهم مَنْ سِوَى بِنيَامِين. والأسباطُ الذين أُنزلَ عليهِمُ الوَحىُ هُم مَن نُبّـِىءَ من ذريتِهِم.
الشرح: أنَّ ما قالَه بعضُ الناسِ من أَنَّ إخوَةَ يوسف نُبّـِـئُوا أى نزل عليهم الوحى قول باطل، يعنى إلا فى ما يتعلق بِبِنْيَامِينَ، وهو الأصغرُ من بينهِم أخو يوسف من أبيه وأمه، أما الآخرون فكانوا إخوَتَهُ من أبيه. بنيامينُ ما شارَكَهُم فيما فَعَلُوه، لذلك المشهور أنه نُبِـّئَ فيما بعد، أما البقية فإنهم هموا بقتل أخيهم ظلماً، وَرَمَوهُ فى البئر، وباعوه على أنَّه عبدٌ وهو حر، وأهانوا أباهم وهو نبىٌّ من الأنبياء (وهذا كفر). ومَعَ أنَّهم تابوا بعد ذلك فإنّ النبوة ما جَاءَتْهُم لأن أنبياء الله لا يجوز عليهم هذه الأفعالُ الخسيسة لا قبلَ النبوةِ ولا بعدَها. وأما الأسباطُ الذين ذكرَهم الله فى القرءان مع الأنبياء فلا يُقْصَدُ بهم إخوة يوسف هؤلاء، وإنما المرادُ بهم أنبياء من ذريتهم.